فؤاد سزگين

51

تاريخ التراث العربي

ونحن نتفق مع عرض جاير بشأن دواوين القبائل ، ودواوين الشعراء اتفاقا بعيدا ، ولكنا توصلنا بشأن التأريخ إلى نتائج مخالفة ، اعتمادا على عرضنا السابق . وإذا كان جاير ، متابعة لجولد تسهير ، قد انطلق من أن الدواوين لا يمكن أن تكون قد ظهرت قبل العصر الأموي ، فإنا نقول بإمكان تكوّن بعض دواوين القبائل ودواوين الشعراء في العصر الجاهلي ، وهذا الرأي تقرره المصادر التاريخية ، والمصادر الخاصة بتاريخ الحضارة ، وتؤكده كتب الأخبار وكتب المثالب وكتب الفضائل وكتب المناقب وكتب الأنساب وكتب الأمثال ، وقد أشرنا من قبل إلى أن عمر بن الخطاب ومعاصريه في مكة المكرمة والمدينة المنورة قد أبدوا اهتماما / بحفظ الموروث الثقافي الجاهلي ، ولا يمكن تصور هذا دون معرفة متوارثة بهذه المادة . إن جمع الشعر الجاهلي زاد بمضي الوقت ، وبدأ بوعى في عهد معاوية بن أبي سفيان ( حكم 41 ه / 661 م - 60 ه / 680 م ) . فالجهود الرائدة في المختارات الشعرية ، وكتب الشعراء وكتب الأخبار الجامعة ، ترجع أيضا إلى حكمه ، وكانت الاهتمامات الأدبية والثقافية التاريخية تأخذ مكان الصدارة أثناء الجمع ، ثم جاء في المقام الثاني الاهتمامات المعجمية المرتبطة بتفسير القرآن . إن الجامعين الأول للشعر العربي القديم كانوا لهذا كله أدباء ومؤرخين ، وبدأ العمل اللغوي الحقيقي في نهاية القرن الأول الهجري ( السابع الميلادي ) وفي بداية القرن الثاني الهجري ( الثامن الميلادي ) ، وموازاة للتطور في مجالات العلوم الأخرى عند العرب فقد بدأ في منتصف القرن الثاني الهجري ( الثامن الميلادي ) نقد الشعر ، وتصنيفه في كتب ذات ترتيب منهجى ، وقد عرف النصف الثاني من القرن الثاني الهجري ( الثامن الميلادي ) والنصف الأول من القرن الثالث الهجري ( التاسع الميلادي ) مزيدا من التهذيب ، وعرف صنعة اللغويين الكبار المشاهير للمادة المتاحة على نحو منهجى .